القرطبي

300

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : قد يحتمل أن يحمل قول علي رضي الله عنه ومن وافقه على السفر المندوب كزيارة الاخوان من الفضلاء والصالحين ، أو المباح في طلب الرزق الزائد على الكفاية . وأما السفر الواجب في طلب القوت الضروري ، أو فتح بلد إذا تحقق ذلك ، أو دفع عدو ، فالمرء فيه مخير ولا يجب عليه الامساك ، بل الفطر فيه أفضل للتقوى ، وإن كان شهد الشهر في بلده وصام بعضه فيه ، لحديث ابن عباس وغيره ، ولا يكون في هذا خلاف إن شاء الله ، والله أعلم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى عليه فليصمه ، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه ، لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام . ومن جن أول الشهر وآخره فإنه يقضي أيام جنونه . ونصب الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ب‍ " شهد " . الثانية عشرة - قد تقرر أن فرض الصوم مستحق بالاسلام والبلوغ والعلم بالشهر ، فإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم ، وإن كان بعد الفجر استحب لهما الامساك ، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه أو أسلم . وقد اختلف العلماء في الكافر يسلم في آخر يوم من رمضان ، هل يجب عليه قضاء رمضان كله أو لا ؟ وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه ؟ فقال الامام مالك والجمهور : ليس عليه قضاء ما مضى ، لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه . قال مالك : وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه . وقال عطاء والحسن : يصوم ما بقي ويقضي ما مضى . وقال عبد الملك بن الماجشون : يكف عن الاكل في ذلك اليوم ويقضيه . وقال أحمد وإسحاق مثله . وقال ابن المنذر : ليس عليه أن يقضي ما مضى من الشهر ولا ذلك اليوم . وقال الباجي : من قال من أصحابنا أن الكفار مخاطبون بشرائع الاسلام - وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه - أوجب عليه الامساك في بقية يومه . ورواه في المدونة ابن نافع عن مالك ، وقاله الشيخ أبو القاسم . ومن قال من أصحابنا ليسوا مخاطبين قال : لا يلزمه الامساك في بقية يومه ، وهو مقتضى قول أشهب وعبد الملك بن الماجشون ، وقاله ابن القاسم .